سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

182

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

. . كان بحث جمال الدين - في التصوف - وفي أن الأديان الثلاثة متفقة في المقصد والغاية وأن غرضها تعليم التوحيد وأن تعمل لخير الإنسان في محفل حافل في بيته ، وكان من جملة الحاضرين طبيب وهو « موسوي » ! فبعد أن انفض المجلس قال الطبيب : يا أستاذ إن النصرانية لا تعلم التوحيد بل أساسها قائم على التثليث ، بعكس الموسوية والإسلام . والإنجيل طافح بمثل أقوال المسيح « أنا في الآب والآب فيّ » ومثل قوله : أيها الأب مجِدَ ابنك ليمجدك ابنك أيضاً ! فقال جمال الدين : إن المسيح وضع أساس تعليمه والغاية من مجيئه أن يكمل الناموس لا أن ينقضه وناموس موسى بُني على التوحيد ، فلا يصح نقض ذلك الأساس وإن ورد بعض الأقوال ما يخالف في ظاهرها ذلك الأساس وجب الرجوع إلى التأويل كما قدمنا وأن لا يرمي أي دين بالضعف والوهن . « وأما أمثال قول المسيح : « أنا الآب والآب فيّ » فقد ورد عنه قوله أبي وأبيكم « وكلهم أبناء الله يدعون » ! وفي التوراة كما ذكرنا جاء « إسرائيل : ابني البكر » وهذه الأقوال كلها تصوف محض . « وورد في كلام أهل التصوف من المسلمين أقوال مغلقة - مثل قول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى والغواص والجنيد والحلاج ، والجبلي وابن مشيش والسهروردي والبكري وغيرهم . وإليك أمثلة من ذلك ! يقول الشيخ الأكبر في بعض صلواته : « اللهم يا من ليس حجابه إلا النور ولا خفاؤه إلا شدة الظهور ، أسألك بك في مرتبة إطلاقك عن كل تقييد ، التي تفعل فيها ما تشاء وتريد وبكشفك عن ذاتك بالعلم النوري وتحولك في صور أسمائك وصفاتك بالوجود الصوري » . وقول السيد البكري : « نعم العبد الذي به كمال الكمال وعابد الله بالله ، بلا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال » . ثم قال : « ترون هذه الكلمات المتناقضة ظاهراً ، إنما أراد نفي الحلول الذاتي فأتى لذلك بنفي الحلول أولا وإلا كيف يعقل لو بقينا على مفهوم الظاهر من معنى الكلمات ، أن المتصل بالوقت ذاته يكون منفصلا ؟ فمعاني التصوف وإن كانت مغلقة في الغالب لا يفهمها إلا أصحاب الذوق والمواجد ، ويعسر على غيرهم تناول فهمها فلا بأس من التقريب في التأويل لينتفي غير المعقول . « وخير مثال يقرب للعقل المفهوم في مثل هذه الحال والأقوال « المرآة » التي تمثل